القاضي عبد الجبار الهمذاني

48

تثبيت دلائل النبوة

وسقوفه وما فيه شيئا شيئا ، وكان إذ ذاك في أيدي الروم ، وكان ملك الشام لهم وبعضه في أيدي اليهود ، فقال أبو بكر : أتسمعون ؟ وكان فعل أبو بكر ذلك ليعرف الناس صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيما ادّعى . فقالت قريش : فان لنا عيرا بالشام عرفت خبرها ؟ فقال : نعم ، مررت بهم في ذهابي ، وهم في موضع كذا ، وقد ندّ لهم بعير من حسّ دابتي فدللتهم عليه ، ورجعت عليهم وهم نيام وقدح فيه ماء وقد خمروه ، فنزلت وكشفته وشربت وخمرته . ثم قال : وآية أخرى أنهم يردون عليكم يوم كذا وقت طلوع الشمس ، وتقدم عيرهم من ثنية كذا ، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان ، إحداهما برقاء والأخرى سوداء . فأرصدت قريش لذلك اليوم ، فقال قائلهم : هذه الشمس قد طلعت ، وقال آخر : وهذه العير قد أقبلت وأمامها الجمل الأورق وعليه الغرارتان كما وصف . وسألوهم عن البعير الذي ندّ وعن القدح الذي كان فيه الماء فأخبروهم بذلك كما وصف ، وأنهم وجدوا القدح فارغا بعد ان كان فيه ماء . فتأمل ما في هذا من الآيات والمعجزات والعلامات الواضحات البينات التي لو لم تكن إلا هذه لكفت وأغنت في الدلالة على نبوته . فمنها مصيره ورجوعه في ليلة واحدة ، ومنها إخباره بالوقت التي ترد فيه عير قريش على أي سبيل ترد / ، فكم في هذا من الغيوب . فإن قيل : ومن سلّم لكم أن هذا قد كان على ما وصفتم لنا ، وكيف علمتم هذا ، وما طريق العلم به ؟